منتديات عطر البيان

منتدى مسرحي أدبي فني للأبداعات المسرحية العراقية والعربية والعالمية .فن.ثقافة.مسرح.ادب.فن.تراث.معلومات تاريخية للمسرح.خواطر.شعر.روايات ومسرحيات عالمية وعربية.المسرح العراقي.
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تجليات الخطاب الثقافي في مسرح شكسبير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الزقورة
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 102
تاريخ التسجيل : 15/11/2008

مُساهمةموضوع: تجليات الخطاب الثقافي في مسرح شكسبير   الثلاثاء نوفمبر 18, 2008 6:36 am

من المؤكد أن الكاتب الإنجليزي وليم شكسبير مسرحي شامخ وشاعر وازن بليغ، استطاع بفضل ملكاته الإبداعية المتميزة أن يؤلف عددا وافرا من
النصوص الشعرية والمسرحية، تنقل فيها بين مجالات الفن والتاريخ والسياسة والمجتمع والدين والأسطورة... دون إغفال موضوعة الذات الإنسانية، في شتى تجلياتها وتجاربها الموزعة بين عوالم السلطة والحكمة والعشق والمعاناة والجنون.

وببديع القول وعمق الصورة وشعرية الكلام، لم يخفق شكسبير في أن يجعل من كتاباته نورا جماليا نافذا لقلوب ملايين القراء والمهتمين في العالم، ضامنا بذلك وهجه المشع- بتفرد وتميز- في سماء المسرح العالمي، على مدى أربعة قرون من الزمن. بهذا الشموخ المعرفي، والفيض التعبيري الخلاق، يسمو شكسبير إلى منزلة رفيعة من مستويات "الحضور الكوني"، مخترقا- في سيولة متدفقة- كل الحواجز المحددة لأمكنة وأزمنة الإبداع الدرامي. وبحجم إشعاعه المتواصل والمتجدد، نجح الرجل في نحت بصماته الفنية على متون مسرحية وأدبية عديدة. الأمر الذي يؤكد، لا محالة، إسهامه الهائل في إثراء وإخصاب المسرح العالمي.

إن كلاما من هذا القبيل- رغم اختزاله الشديد- هو أقل ما يمكن قوله في حق مبدع عظيم، كرس حياته للفن والمسرح.

بيد أن ثمة نقطة جوهرية ينبغي الوقوف عندها لحظة، قصد المساءلة النقدية لطبيعة المنتج المسرحي لدى شكسبير. ونخص بالسؤال في هذا المقام فكرتي "الحضور" و"الإسهام"، بما تربطهما في العمق من علاقة جوهرية مباشرة بمسألة "الكونية" أو العالمية: لمن كان يكتب شكسبير بالتحديد؟ وما سر مصادره الإبداعية؟ وهل اعتبر- أثناء فعل الكتابة- إمكانية وجود قارئ كوني؟ وإلى أي حد استطاع الإسهام في خدمة الدراما العالمية، دون إخضاع كتاباته لأغراض أيديولوجية محلية؟

إنها جملة من الأسئلة لا نزعم الإجابة عنها في هذا الحيز المحدود، بقدر ما نروم إثارة الحس النقدي لدى المهتمين بمسرح شكسبير. وقد تفيدنا ثلة من أعماله المسرحية كمسلك حاسم في مقاربة هذه الأسئلة، نذكر منها: "تيتوس إيندرونيكوس"، "تاجر البندقية"، "عطيل" و"العاصفة". إذ القاسم المشترك بين هذه المسرحيات وجود شخصيات برانية غريبة، ضاربة بجذورها الإثنوثقافية في عمق أفريقيا وبلاد العرب. والملاحظ أن شكسبير تناول هذه الشخوص- كإيارون، أمير المغرب وعطيل..- باعتماد درجة عالية من الوصف العرقي والتصوير الجسماني، وكذا النعت الموصول بالتجريح اللفظي، الصادر عن الشخصيات (الأوربية) المشاركة في العروض المذكورة، وذلك من خلال الحوارات الدرامية والتصريحات المنولوجية.

بهذه الطريقة، يكون شكسبير قد توفق إلى حد بعيد في تأجيج وتنمية أجهزة المخيلة الغربية تجاه "الآخر غير الأوربي"، دونما تورط أيديولوجي في تمثيل ذاتي مباشر لذلك. وغالبا ما تبدو العلامات اللفظية المستعملة في وصف الشخوص البرانية مستوحاة من نصوص أوربية سابقة، بنسبة كبيرة من النسخ والتكرار. فنص "عطيل"، على سبيل المثال، يمثل في جل جوانبه نسخة شبه مطابقة لقصة Hecatommithi للكاتب الإيطالي Giraldi Cinthio، هذا إن استثنينا بعض التغييرات البسيطة، ربما أبرزها إضافة شكسبير إسم عطيل لشخصية الرجل الأسود في القصة الإيطالية. إن استناد شكسبير إلى نص سنثيو لا يقلل، في اعتقادي، من قدرته الإبداعية، وإنما هو علامة كاشفة عن طبيعة اشتغال الخطاب الغربي على إستراتيجية عزل وتبئير وبالتالي نمذجة الكائن غير الأوربي كموضوع خصب ومرن للتخييل الغربي. فالإنسان الأفريقي أو العربي، أو الشرقي عموما، الذي يصوره شكسبير لقرائه في الغرب ليس من وحي الواقع الطبيعي، إطلاقا، بدليل أن الكاتب لم يسبق وأن زار هذا الواقع الخارجي، وإنما هو في مجموعه موضوع معرفة خيالية استمدها بالرجوع إلى نصوص وسجلات غربية مسبقة. وهنا يكمن الأثر الاستشراقي في كتابات شكسبير. فمصادر المعرفة الغربية بالآخر ليست واقعية وإنما هي نصية صرف، على حد تعبير إدوارد سعيد.

على هذا النحو، يبدو إسهام شكسبير حيويا وحاسما في إثراء وإعادة توليد المعطى الوهمي بكل عناصره النمطية الثابتة، والمكونة لصورة الأفريقي والمغربي Moor والعربي والمسلم، كما التركي والشرقي عموما وتعميما، دونما أدنى مراعاة لمظاهر الاختلاف والتميز والخصوصيات الكائنة بين هؤلاء على أصعدة متعددة. والحال أن شكسبير كان يكتب إبداعاته في فترة تاريخية هامة وحاسمة في إدراك وتفسير دواعي اهتمامه بالشخصية غير الأوربية، مع تعامله معها بعناية فائقة وحساسية ثقافية ملحوظة. ويمكن توضيح هذه الفكرة بالوقوف عند جملة من الظروف التاريخية المؤثرة- بشكل أو بآخر- على طبيعة المنتج المسرحي لدى شكسبير:

- اشتغال شكسبير في سياق تاريخي مفعم بروح التوسعات الاستعمارية بدعوى الاكتشافات العلمية والتبشير الديني والتمدين الحضاري.
- توافد السفراء غير الأوربيين- خصوصا المغاربة- على قصر الملكة إليزابيث لأسباب تتعلق بتقنين التجارة والملاحة وإنهاء مشكل الجهاد البحري (القرصنة الملاحية حسب الغرب) وإبرام اتفاقيات التحالف والتعاون. ومن أبرز السفراء المغاربة نذكر مرزوق الرايس وعبد الواحد النوري..، إذ شكل مظهر وهندام هؤلاء مثارا لدهشة الإنجليز وفضولهم المفرط.
- حاجة القارئ الإليزابيثي إلى توسيع وتنمية صورة الآخر غير الأوربي.
- انتشار أيديولوجية النهضة المشددة على الشعور بامتياز الإنسان الأوربي وتفوقه الحضاري والعرقي والديني...
- اعتماد استراتيجية تشويه وأبلسة صورة الآخر قصد تبرير مشروع التوسع الاستعماري باسم الدين والعدل والحضارة.
- تنامي المواقف الصليبية الاستشراقية المعادية للعرب والإسلام والشرق.

هذه بعض العوامل التاريخية التي تساهم في تفسير ظاهرة حضور واستحضار الشخوص البرانية في مسرح شكسبير. عوامل مفيدة تستدعي مقاربة المسرح من منظور شمولي يعتمد أهمية السياق التاريخي العام في قراءة النص الدرامي، باعتباره موقفا ثقافيا وإعلانا أيديولوجيا، وضرب من ضروب تعريف وتأكيد الذات وإثبات تفوقها الحضاري على حساب الآخر.

من وجهة تحليلية كهذه، يبدو إسهام شكسبير حاسما في تنشيط وإثراء مخيلة القارئ الغربي بخصوص "الآخر العرقي"، مسهما بذلك في وضع لبنات خطابية أخرى تضاف إلى بنية المعرفة الوهمية المبرمجة بقوانين السلطة الأيديولوجية، التي تحدد وتتحكم في أساليب إدراك صورة الآخر. فباستناده المقصود إلى نصوص أوربية تجمع بين الثقافة الشعبية والتاريخ والدين والسياسة والشعر، يبدو شكسبير منخرطا فاعلا في مشروع "الكتابة الجمعية" التي بواسطتها يتأسس خطاب الذات والهوية والمجتمع والأمة، في وقت تتحدد فيه حدود الاختلاف العرقي والتباين الحضاري والتميز الثقافي والأيديولوجي.

هكذا، تتبين كيفية انفتاح نصوص شكسبير على أفق خطابي يسمح لها، ولنصوص أوربية سابقة، بالتلاقح والتناسل والانصهار، أو "التنادي" كما كتب جاك دريدا مرة. ثم إن العملية كلها تسير وتتطور وتتم وتنتشر على مستوى إنتاج المعرفة-الحقيقة كموضوع لقراءات موجهة بالدرجة الأولى إلى القارئ الغربي- الإنجليزي تحديدا. الأمر الذي يكشف لا محالة عن البعد المحلي والانتقاء الجيوثقافي في مشروع وليم شكسبير الفني.



منقول

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تجليات الخطاب الثقافي في مسرح شكسبير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات عطر البيان  :: المنتديات المسرحية :: المسرح العالمي-
انتقل الى: